responsiveMenu
صيغة PDF شهادة الفهرست
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
اسم الکتاب : البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري المؤلف : ابن نجيم، زين الدين    الجزء : 1  صفحة : 146
قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْت فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْت فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ وَفِي رِوَايَةٍ فَتَمَعَّكْت ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْك هَكَذَا ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لِغَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا شُرِعَ رُخْصَةً لَنَا وَالرُّخْصَةُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْآلَةُ حَيْثُ اكْتَفَى بِالصَّعِيدِ الَّذِي هُوَ مُلَوَّثٌ وَفِي مَحَلِّهِ بِشَطْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى.

(قَوْلُهُ: يَتَيَمَّمُ لِبُعْدِهِ مِيلًا عَنْ مَاءِ) أَيْ يَتَيَمَّمُ الشَّخْصُ، وَهَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ شَرَائِطِهِ فَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ قَدْرَ مَا يَكْفِي لِطَهَارَتِهِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي تَفُوتُ إلَى خَلْفٍ وَمَا هُوَ مِنْ أَجْزَائِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] وَغَيْرُ الْكَافِي كَالْمَعْدُومِ، وَهَذَا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ الْمَوْجُودِ وَالتَّيَمُّمُ لِلْبَاقِي؛ لِأَنَّ مَا نَكِرَةٌ فِي النَّفْيِ فَتَعُمُّ وَقِيَاسًا عَلَى إزَالَةِ بَعْضِ النَّجَاسَةِ وَسِتْرِ بَعْضِ الْعَوْرَةِ وَكَالْجَمْعِ فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ بَيْنَ الذَّكِيَّةِ وَالْمَيِّتَةِ قُلْنَا الْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ الطَّهَارَةِ الْحُكْمِيَّةِ فَكَأَنَّ التَّقْدِيرَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً مُحَلِّلًا لِلصَّلَاةِ، فَإِنَّ وُجُودَ الْمَاءِ النَّجَسِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّيَمُّمِ إجْمَاعًا وَبِاسْتِعْمَالِ الْقَلِيلِ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ الْحِلِّ يَقِينًا عَلَى الْكَمَالِ، فَإِنَّ الْحِلَّ حُكْمٌ وَالْعِلَّةَ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا وَشَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ لَا يَثْبُتُ بِبَعْضِ الْعِلَّةِ كَبَعْضِ النِّصَابِ فِي حَقِّ الزَّكَاةِ وَكَبَعْضِ الرَّقَبَةِ فِي حَقِّ الْكَفَّارَةِ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْحَقِيقِيَّةِ وَالْعَوْرَةِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَجَزَّآنِ فَيُفِيدُ إلْزَامَهُ بِاسْتِعْمَالِ الْقَلِيلِ لِلتَّقْلِيلِ وَلَا يُفِيدُ هُنَا إذْ لَا يَتَجَزَّأُ هُنَا بَلْ الْحَدَثُ قَائِمٌ مَا بَقِيَ أَدْنَى لُمْعَةٍ فَيَبْقَى مُجَرَّدَ إضَاعَةِ مَالٍ خُصُوصًا فِي مَوْضِعِ عِزَّتِهِ مَعَ بَقَاءِ الْحَدَثِ كَمَا هُوَ، وَأَمَّا الْجَمْعُ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ؛ فَلِأَنَّ الذَّكِيَّةَ لَمَّا لَمْ تَدْفَعْ الِاضْطِرَارَ صَارَتْ كَالْعَدَمِ كَذَا ذَكَرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ قَدْرَ مَا يَغْسِلُ بِهِ بَعْضَ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ وَجَدَ مِنْ الثَّوْبِ قَدْرَ مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ لَا يَلْزَمُهُ اهـ.
وَلَوْ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي لِلْحَدَثِ أَوْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ غَسَلَ بِهِ الثَّوْبَ مِنْهَا وَتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى فِي النَّجَسِ أَجْزَأَهُ، وَكَانَ مُسِيئًا كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ تَيَمَّمَ أَوَّلًا ثُمَّ غَسَلَ النَّجَاسَةَ يُعِيدُ التَّيَمُّمَ؛ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الظَّاهِرُ الْحُكْمُ بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ تَقَدَّمَ عَلَى غَسْلِ الثَّوْبِ أَوْ تَأَخَّرَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ إلَى الثَّوْبِ عَلَى مَا قَالُوا وَالْمُسْتَحَقُّ الصَّرْفُ إلَى جِهَةٍ مَعْدُومٌ حُكْمًا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ اللُّمْعَةِ مَعَ الْحَدَثِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ لَهُ إذَا كَانَ الْمَاءُ كَافِيًا لِأَحَدِهِمَا فَبَدَأَ بِالتَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ قَبْلَ غَسْلِهَا كَمَا هُوَ رِوَايَةُ الْأَصْلِ وَكَالْمَاءِ الْمُسْتَحَقِّ لِلْعَطَشِ وَنَحْوِهِ نَعَمْ يَتَمَشَّى ذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ الْقَائِلَةِ بِأَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ غَسْلِ اللُّمْعَةِ لَا يَصِحُّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ ثُمَّ إنَّمَا ثَبَتَتْ الْقُدْرَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَصْرُوفًا إلَى جِهَةٍ أَهَمَّ أَصَابَ بَدَنَ الْمُتَيَمِّمِ قَذَرٌ فَصَلَّى وَلَمْ يَمْسَحْهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ تَقْلِيلًا لِلنَّجَاسَةِ. اهـ.
ثُمَّ الْعَدَمُ عَلَى نَوْعَيْنِ: عَدْمٌ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ وَالْمَعْنَى وَعَدَمٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَالْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنْهُ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَلَمْ يَذْكُرْ حَدَّ الْبُعْدِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ فَعَنْ مُحَمَّدٍ التَّقْدِيرُ بِالْمِيلِ، فَإِنْ تَحَقَّقَ كَوْنُهُ مِيلًا جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَإِنْ تَحَقَّقَ كَوْنُهُ أَقَلَّ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ مِيلٌ أَوْ أَقَلُّ لَا يَجُوزُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَالْمِيلُ هُوَ الْمُخْتَارُ فِي الْمِقْدَارِ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِدُخُولِ الْمِصْرِ وَالْمَاءُ مَعْدُومٌ حَقِيقَةً وَالْمِيلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مُنْتَهَى مَدِّ الْبَصَرِ وَقِيلَ لِلْأَعْلَامِ الْمَبْنِيَّةِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ أَمْيَالٌ؛ لِأَنَّهَا بُنِيَتْ عَلَى مَقَادِيرِ مُنْتَهَى الْبَصَرِ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالْمُغْرِبِ وَالْمُرَادُ هُنَا ثُلُثُ الْفَرْسَخِ وَالْفَرْسَخُ اثْنَا عَشْرَ أَلْفَ خُطْوَةٍ كُلُّ خُطْوَةٍ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ بِذِرَاعِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQسَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ نَفْسُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِطَاهِرٍ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ.

[شَرَائِط التَّيَمُّم]
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي مَسْأَلَةِ اللُّمْعَةِ) أَيْ لَوْ اغْتَسَلَ الْجُنُبُ وَفَرَغَ مَاؤُهُ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ بَقِيَتْ مِنْهُ لُمْعَةٌ مِنْ جَسَدِهِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْجَنَابَةِ وَلَوْ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لَهَا، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ تَيَمُّمًا وَاحِدًا لَهَا لِلْحَدَثِ، وَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ ثُمَّ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ غَسَلَ بِهِ اللُّمْعَةُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْحَدَثِ وَلَوْ بَدَأَ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ غَسَلَهَا فِي رِوَايَةٍ لَا يَجُوزُ وَيُعِيدُ التَّيَمُّمَ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ قِيلَ الْأَوْلَى قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالثَّانِيَةُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفَاصِيلُ بَيَّنَهَا فِي السِّرَاجِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي السِّرَاجِ مَسْأَلَةَ النَّجَاسَةِ بَعْدَ هَذِهِ وَقَالَ لَوْ بَدَأَ بِالتَّيَمُّمِ أَوَّلًا ثُمَّ غَسَلَ النَّجَاسَةَ أَعَادَ التَّيَمُّمَ إجْمَاعًا بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَيْ مَسْأَلَةِ اللُّمْعَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ هُنَا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَاءٍ لَوْ تَوَضَّأَ بِهِ جَازَ وَهُنَاكَ أَيْ فِي مَسْأَلَةِ اللُّمْعَةِ لَوْ تَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ عَادَ جُنُبًا بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ اهـ.
وَبِهِ يَنْدَفِعُ النَّظَرُ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَالْفَرْسَخُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ خُطْوَةٍ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَالْجَوْهَرَةِ أَنَّ قَدْرَ الْمِيلِ أَرْبَعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَاَلَّذِي هُنَا سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَرَأَيْت فِي الْقِلَادَةِ الْجَوْهَرِيَّةِ مَا صُورَتُهُ قَالَ صَاحِبُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ الْهَائِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ فِي هَذَا الْبَابِ الْبَرِيدُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَالْمِيلُ أَلْفُ

اسم الکتاب : البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري المؤلف : ابن نجيم، زين الدين    الجزء : 1  صفحة : 146
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
صيغة PDF شهادة الفهرست